السبت، 6 يونيو 2020

تشكيلات الجنود في الشطرنج



تحدي الشطرنج - التوزيع المنظم للقطع في أرض المعركة.



الدفع بالجنود الى أرض المعركة وفق تشكيلات منظمة:

هل تخوض معركة الشطرنج وفق تشكيلات جنود منظمة ، أو تخوضها بشكل عشوائي ، وتدفع بجنودك الى حتفهم بلا اكتراث؟

هل تعلم أن روما القديمة ، سيطرت على العالم لقرون عديدة ، بفضل قوتها الضاربة المعتمدة أساساً على خوض المعارك وفق تشكيلات جنود منظمة بدقة متناهية.

في الأكاديميات العسكرية ، يتم تدريس القادة ، أشهر الطرق لتنظيم جنودهم في أرض المعركة ، والتكتيكات المناسبة لكل موقف قتالي، ولفت انتباه القادة الى مواطن القوة والضعف في كلّ تشكيل من التشكيلات.

وفي كرة القدم أيضاً ، هناك التشكيلات الهجومية والتشكيلات الدفاعية ، ولن يربح الفريق اذا افتقر لتماسك قي التشكيلة ، وينفرط عقده.

الأمر نفسه بالنسبة للشطرنج ، فلا يمكن الدفع بالجنود الى أرض المعركة ، فرادى ، دون تنسيق ، فربما شكّلوا عبء على القائد ، وكانو سبباً في تشتيت انتباهه.

أضافة الى ذلك ، فوجود الجنود في أرض المعركة ، بطريقة منظمة ، يساعد بشكل مذهل على بناء حائط صدّ أمام الهجمات المعادية ، ورأس حربة للهجوم ، ويشدّ باقي القطع بعضها الى بعض ، كالبنيان المرصوص ، لتتحول المواجهة في مرحلة من المراحل الى حرب بارده ، يحاول كل من الخصمين ، فرض تشكيلة جنوده الخاصة ، والتي يوظفّها ، بطبيعة الحال ، لتشويه تشكيلة جنود الخصم.


تحدي الشطرنج - التوزيع المنظم للقطع في أرض المعركة.تعليم شطرنج بسهولة أونلاين


ينظر اللاعب المبتدىء الى الجنود ، وكانها قطع غير هامة ، ومهمته الوحيدة أثناء اللعب ، دفعها الى أرض المعركة ، لأنها تعوق حركة القطع الهامة. وهذا اعتقاد كارثي ، وسيبقى مبتدأً طالما أحتفظ به.

وطبعاً لا حاجة لتذكير المحترف بأهمية تشكيلات الجنود ، فهي من البداهات ، التي يوظّفها لتحقيق الأفضلية في المعركة ، فلا شيء أفضل من مجموعات جنود تعمل لشدّ أزر بعضها البعض في أرض المعركة، وتعمل بالتناغم مع قطع أخرى لفرض ايقاع لعب معين.

كما أن معرفة الطرق المختلفة لتوزيع الجنود على رقعة الشطرنج ، يساهم في قرارات اللاعب ، فهو يحرّك هذا الجندي بهذه الطريقة ، ويحرك الجندي الآخر بتلك الطريقة ، لأن في ذهنه تصوّر لتشكيل من التشكيلات ، يسعى لتحقيقه.

وربما ساعدت هذه المعرفة ، على اتخاذ قرارات بشأن القطع الأخرى ، التي ستجد نفسها ملزمةً بتأمين غطاء للجندي المتقدم.
أضافةً لذلك ، ربما كان سعي اللاعب للحفاظ على تشكيلة معينة ،مبرراً مقبولاً لقرار التضحية.


لكن الأمر ليس بهذه البساطة .

 فأنت لاتلعب لوحدك ، فسعيك لتوزيع جنودك بطريقة معينة على رقعة الشطرنج ، سيصطدم حكماً بسعي الخصم لمنعك من ذلك ، ومساعيه لتوزيع جنوده أيضاً ، فالمربع لايتسع لأكثر من جندي كما تعلم ، والجندي المسكين ليس لديه أي خيار، الا التقدم الى الأمام ، وهذا يعّقد بناء بناء هكذا تشكيلات ، والحفاظ عليها.

اضافةً لذلك ، فدفعك للجنود الى أرض المعركة بتشكيلات غير مدروسة ، قد يساهم بعرقلة حركة باقي الأحجار ، التي تفقد أهميتها و فعّاليتها بمجرد خسارتها لحرية الحركة.


مثال بسيط يوضح أهمية تشكيلات الجند على رقعة الشطرنج :


في لحظة من لحظات اللعبة ، كان الموقف كالتالي : 

تعليم شطرنج بسهولة أونلاين


حاول أن تقيّم الموقف بنفسك .

ببساطة ، هذه السلسة من الجنود التي يملكها الأسود ، هي سلسلة لتقيده أكثر منها لمصلحته ، فهي تعوق حرية حركة الفيل ، وبالتالي تقلل من أهميته.
في حين فيل الأبيض يملك حرية أكبر في الحركة.

ملاحظة على الهامش:

ماذا لو فكر الأبيض بالهجوم على الملك الأسود ، وتهديده ؟ 

هل هذا ممكن ؟

نعم ممكن ، وسيكون الموقف كما في الصورة :




لكن هل هذل صواب ؟


لا أعرف ان كان صواباً أم لا .

لكن ما أعرفه أن الأسود سيرد ، ويحمي ملكه ببساطة ، مهدداً الفيل الطائش و يجبره على التراجع .

ماذا فعل الأبيض بهكذا حركة ؟

أضاع فرصته في نقلتين ، كان يمكن أن يوظفهما في تطوير موقفه ، أي انه هدر موارده ، بحركة لا جدوى منها مبدئياً ، فليس كل ما هو ممكن هو جيد.

معلومة بديهية لكنها ضرورية لفهم هذا النقاش: 


الجندي الذي يقف في مربعه ، يعتبر بمثابة حامٍ لهذا المربع، ويهدد مربعين ، فلا يمكنك السيطرة على المربع دون قتل الجندي المتمركز فيه ، أما الأحجار الأخرى فهي واسعة الطيف ، وتستطيع حماية مربعات بحسب حرية حركتها.

بالعودة الى الصورة ، حاول أن تقرأها قليلاً. 



أنظر الى تشكيلة الجنود ، وفكرّ بها ، حيث تعمل الجنود بالتعاون مع الفيل ، على تشكيل جدار صدّ.

فكّر بالأسطر ، كيف أن طريق أن الجنود توزعوا بطريقة معينة ، أمنوا حائط صدّ ، وبنفس الوقت ، منحوا حرية الحركة لباقي القطع.

أو فكّر لو كان عندك صف من الجنود ، يسدّون 8 ممرات ، عليك تقديم بعضهم الى الامام ، لكن بالمحصلة ، ستبقى الممرات مسدودة أو محمية بقطع أخرى . فلا يمكنك اللعب و الجنود على نفس السطر جميعاً ، بمحاذاة بعضهم البعض.


أو فكّر ببساطة ، هي تشكيل توليفة معينة من الجنود ، التي تحتل مربعات طبعاً ، فتعيق بذلك تقدم أحدهم ،وحماية هذه التوليفة ، بحيث يكون كل جندي حامٍ للجندي الأخر ، أويمكن تسخير القطع الأخرى لمهام الحماية.

اللاعب الذي شكّل هذه التوليفة و يؤمن بجدواها ، لن يحرّك أحد مكوناتها الا للضرورة طبعا، فالجندي لا يرجع للوراء. 

- بعد تموضع الجنود في مواقعهم ، ليس من مصلحتك تحريك أي منهم، قدر المستطاع.

وهذا تماماً ما يفعله القائد العسكري ، الذي يغلق الجبهة بالقوة البشرية والنارية أيضاً، لمنع التقدم أولاً ،  بحيث تكون متماسكة أمام محاولات التحطيم.

على الهامش : الحصان هو الحجر الطائر الوحيد في اللعبة.

على الهامش : لو دفع الخصم بوزير أو فيل للموت في سبيل تحطيم التشكيل القتالي للجنود ، عندها أهلا ومرحباً.

طبعاً نحن هنا لا نتحدث عن قواعد حرفيّة ملزمة ، نحن نحاول لفت انتباه المتعلم الى أهمية تشكيلات الجند في المعركة ، مقدمين نماذج فقط ، فهو الأقدر على ابتداع نماذجه الخاصة،أو تبني نماذج مشهورة جداً ، ووفقاً للموقف الذي يجد نفسه فيه.

أبسط أنواع التشكيلات – الجدار :

الغاية الأساسية من بناء الجدار :
هي سدّ المنتصف ، والهجوم من الجوانب ، أنظر الى هذه التوليفة وفكّر بها ، من حيث الانتشار ، ومن حيث الحماية المتبادلة بين الجنود.

في الصورة التالية ، فكّر بالانتشار ، و فكرّ بالحماية المتبادلة بين الجنود.




من حيث الانتشار:

 يحاول الأبيض أحتلال المربعات الاستراتيجية ، التي تقع في المنتصف ، ومنع الخصم من التمركز بها ، لذا فهو أحتلّ بعض المربعات ، ووضع بعضها الأخر تحت مرمى نيرانه.

من حيث الحماية المتبادلة بين الجنود :

أنظر الى الجندي في المربع D4  والمربع  F4  ولاحظ كيف هما أنهما في طليعة القوات ، لكنهما محميين من قبل الجندي في
المربع E3  مبدئياً.


أي أننا دفعنا بالجنود الى المربع D4 و المربع F4 بهدف الهيمنة على المربعات الاستراتيجية ، ودفعنا بالجندي الى المربع E3  - وليس الى مربع أخر - لهدف أيضاً : لحماية أقرانه المتقدمين .

يمكن توظيف قطع أخرى ، لحماية وتدعيم هذه التشكيلة.

لكن هنا ، للتبسيط ، سنعرض تشكيلة جنود الأبيض فقط :



فكّر مرةً ثانية ، بإنتشار الجنود ، وحماية كل جندي لزميله.

نحن نتحدث عن تشكيل الجنود ، و بعد تموضع الجنود بتشكيل معين ، يصبح من النادر تحريكها الا تحت الضرورة ، ومصدر هذه الضرورة هي محاولات الخصم لتحطيم التشكيل.

لكن ما الذي فعلناه ؟

1- قمنا بتوزيع الجنود ، بطريقة معينه ، بحيث يحمي كلٌ منها الأخر.

2- ركزّنا على احتلال و تهديد المربعات الاستراتيجية ، وحرمنا الخصم من التمركز بها.

3- أغلقنا المنتصف ، فخيارات هجوم الخصم من المنتصف صارت محدودة.

4- شطرنا أحجار الفريق الخصم ، الى قسمين ، وأصبحت مهمة الانتقال والمناورة من جناح الى أخر ، مهمة أكثر صعوبة بالنسبة لأحجار الخصم ، وهذا تطبيق عملي لمبدأ فرّق تسُد.

لكن هذا الكلام ليس صحيح تماما ، ماتزال هناك نقاط ضعف ، لذا نلجأ الى توظيف قطع أخرى لتدعيم هذا التشكيل.

حاول أو تفكر ما هي نقاط الضعف التي بحاجة الى تدعيم.

فكرّ قليلا بمربعات المنتصف ، لو أراد الخصم استخدام جنوده للهجوم ، ما هو المربع المتاح له لتنفيذ هجومه ؟





لكن انتبه ، يوجد نقطة ضعف ! ، يوجد مربع لا يحميه أي جندي أبيض. ماهو ؟


هو المربع E4  ، لا يحميه أي حندي أبيض ، وبالتالي يشكل ثغرة ، ومصدر لوجع الرأس ، ومكان تتوجه اليه أنظار جميع قطع الخصم.وبناء هكذا تشكيل هو خيار الأقل احترافاً ، حيث يفضل المحترفون تشكيلات أعقد تناسبهم .

لكن فكّر كيف يمكن أن نسدّ هذه الثغرة ؟

ببساطة يمكن الدفع بالفيل للتموضع في المربع D3 كما في الصورة.





بذلك يكون اللعب قد شكّل توليفة من الجنود والقطع الأخرى التي تدعم وتحمي بعضها بعضاً ، ويضع في ذهنه أن هذه الأحجار تشكّل العمود الفقري للجدار ، وتحريك أي قطعة من هذه القطع ، سيؤدي الى خلخلة هذا الجدار ، أي عليه أن ينسى هذه القطع ما استطاع الى ذلك سبيلا.

 أي أن اللعبة أصبحت أسهل بالنسبة له ، فعدد الأحجار التي ينوي تحريكها مستقبلاً أصبح عدد قليل ، وبالتالي أصبحت الخيارات التي تتزاحم في ذهنه قليلة ، أي أن الحياة أصبحت هادئة بالنسبة له ، لكن هل هي ممتعة ؟


لو دفعنا بالحصان ، للمشاركة بهذه التشكيلة ، عندها سيكون المشهد كالتالي :




لاحظ تموضع الفيل في D3  ولاحظ أيضاً تموضع الحصان في المربع F3  ، ولاحظ كيف يؤمنان التغطيه والحماية لباقي الجنود.


إضافةً لذلك ، هل لاحظت صعوبة الحفاظ على هذه التشكيلة !

 فأنت لا تلعب وحدك ، ولا يمكنك التحكم في مسار الأحداث ، بل عليك ان تستجيب بشكل ديناميكي للتطورات الحاصلة على هذه الرقعة. 


وكما ذكرنا ، الهدف من هذه التشكيلة هو سد منتصف الرقعة ، والهجوم من الجوانب ، أي أن اللاعب الذي سعى لمثل هذه توليفة في التموضع ، سيفكر بتحريك القطع التي على الجوانب ، وسيعمل جهده لتجنب تحريك القطع التي يراها جزء من هذا الجدار .

وتقدم أي جندي مربع واحد الى الأمام ، سيخلخل هذه التشكيلة ، فالجندي لا يرجع الى الوراء أبداً .



لكن ماذا لو اتبع الخصم نفس الاستراتيجية في توزيع جنوده ؟

ماذا لو بنى من جنوده تشكيلة الحائط ، مثلما فعلت أنت ؟

أي ماذا لو قلّدك حرفياً في تشكيلة الجنود؟

عندها سيكون المشهد قبل اشراك الفيل ، كما في الصورة.





وبعد اشراك الفيل لسدّ الثغرة ، يكون المشهد كالتالي :




لكن !

ما هو تقييمك للوضع ؟ هل تظن أن الأمور تعقدت ؟

في الواقع ، الأمور لم تتعقد ، وتقليد الخصم لك في تشكيلة الجنود لم يعّقد الوضع الا ظاهرياً.

ما فعلته أنت ببساطة ، هو أغلاق وتأمين عمق أرض المعركة ، وستحاول أن تهاجم من الجناح الذي تملك فيه أفضلية في الحركة ، والذي هو الجناح الذي يتموضع فيه الملك كما لاحظت سابقاً.

وخصمك فعل ذلك تماماً ، أي أن عدد الخيارات المطروحة لمتابعة اللعب أصبح أقل ، وأصبح مسار اللأحداث يسير في إتجاه معروف ، وهذا ما يسهّل اللعبة على المبتدىء ، لكنه يجعلها مملة بالنسبة للمحترف الذي يحاول تجنب هكذا سيناريو ، ويطرح لنفسه بدائل أكثر تقدماً.

ففرصة تقدم الجنود في العمق أصبحت معدومة نظرياً ، وأصبحت خيارات اللعبة محصورة في  الجوانب أو الأجنحة ، وذلك بالنسبة لك وللخصم أيضاً.

انتبه : نتكلم عن تشكيلات الجنود ، أي أننا نركّز اهتمامنا هنا على الجنود ، وليس على باقي القطع ، فالمهمة هي بناء توليفة ناضجة قائمة على الجنود فقط ، وبعد ذلك لو وجدنا ثغرات ، سيتم الاستعانه ببعض القطع لسدّها.


- على الهامش : هاجم حيث تملك أفضليّة في المساحة.


وهذا مثال عملي ، يدلل كيف يمكن للسعي وراء نشر تشكيلة معينة ، أن يقود الى قرارات اتوماتيكية إن جاز التعبير .

ما حاولنا عرضه في هذا المقال ، هو محاولة لتقديم فكرة تشكيلات الجنود ، وأهميتها ، ودورها ، ونقاط الضعف الممكنه.

طبعاً ، يوجد ربما عدد لانهائي من السيناروهات القياسية ، نحن قدمنا شرح عمومي مبسّط .